
لم يعد الحفاظ على الاستقرار والسلامة مهمة ميكانيكية فقط، بل تحديًا حسابيًا معقدًا يتطلب فهماً لحظيًا ودقيقًا لسلوك المركبة على الطريق. وفي ظل توسع أنظمة القيادة الآلية، بات لزامًا على السيارات أن تفسر ظروف القيادة المعقدة بسرعة تتجاوز قدرات السائق البشري، خاصة أن أي خطأ، ولو طفيف، قد ينعكس مباشرة على الكبح أو التوجيه أو ثبات السيارة.
هذا الواقع كشف حدود النماذج التقليدية المستخدمة في أنظمة التحكم، إذ يشير باحثون إلى أنها لم تعد قادرة على مجاراة ما يحدث على الطرق الحقيقية، حيث تشوه الإطارات، وتغيرات سطح الطريق، والمناورات المفاجئة، عوامل يصعب حصرها داخل افتراضات كلاسيكية جامدة. ومع السيارات ذاتية القيادة، تتضاعف خطورة هذه الفجوات، لأن الخطأ الواحد قد يتراكم بسرعة ويفقد المركبة توازنها، وفق ما أورده موقع Interesting Engineering.
وفي مواجهة هذه التحديات، طوّر فريق بحثي بقيادة البروفيسور كانغ هيون نام في معهد DGIST، وبالتعاون مع جامعتي شنغهاي جياو تونغ وطوكيو، نظامًا مبتكرًا يعتمد على ما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي الفيزيائي» لتقدير حالة المركبة في الزمن الحقيقي. ويستهدف النظام فهم متغيرات لا تستطيع المستشعرات قياسها مباشرة، وعلى رأسها زاوية الانزلاق الجانبي، التي تعد عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على ثبات السيارة ومنع فقدان السيطرة.
ويقوم هذا الحل الهجين على دمج نماذج فيزيائية لسلوك الإطارات مع تقنيات تعلم قائمة على البيانات، ما يمنحه قدرة على التكيف مع السلوك غير الخطي للإطارات، والتغيرات البيئية المستمرة التي تواجه المركبات أثناء القيادة. هذا الدمج، بحسب الباحثين، يمنح النظام مرونة أكبر مقارنة بالحلول التقليدية التي تعتمد على الفيزياء وحدها أو على الذكاء الاصطناعي فقط.
وخضع النظام لاختبارات عملية باستخدام منصة سيارة كهربائية حقيقية، شملت سيناريوهات متنوعة من حيث السرعات، وأنواع الطرق، وحالات الانعطاف، وحقق مستويات دقة مرتفعة عبر مختلف الظروف. ويرى المهندسون أن هذا الأداء المتسق يمثل خطوة ضرورية نحو التطبيق التجاري، لما له من تأثير مباشر على أنظمة التحكم في الثبات، وسلامة القيادة الذاتية، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة.
وأكد البروفيسور نام أن الجمع بين الفيزياء والذكاء الاصطناعي أتاح سد فجوات طالما عانت منها النماذج التقليدية، مشيرًا إلى أن هذا النهج قد يشكل حجر الأساس لأنظمة التحكم في الجيل القادم من السيارات الكهربائية والذاتية القيادة، حيث يصبح فقدان السيطرة سيناريو يمكن توقعه والتعامل معه قبل وقوعه.



