
كشفت تقارير صحفية عن تعرض هواتف كبار المسؤولين في الحكومة البريطانية لاختراقات يُشتبه في وقوف الصين وراءها، على مدار ثلاث سنوات متواصلة، في تطور خطير يعيد ملف الأمن السيبراني إلى صدارة المشهد السياسي في بريطانيا.
ووفقا لما نشرته صحيفة “الجارديان” نقلاً عن التلجراف البريطانية، فإن الهجمات السيبرانية استهدفت دوائر قريبة من رئاسة الوزراء البريطانية، ما أثار مخاوف جدية بشأن تسريب اتصالات حساسة وبيانات استراتيجية، في وقت حساس تشهده العلاقات البريطانية الصينية، وسط تحركات سياسية وتجارية مثيرة للجدل.
وتأتي هذه التطورات بينما يستعد رئيس الوزراء البريطاني، السير كير ستارمر، لزيارة الصين، في أول زيارة لرئيس وزراء بريطاني منذ عام 2018، ما يضع الحكومة تحت ضغط سياسي وأمني متزايد، ويعيد طرح تساؤلات حول مدى جاهزية بريطانيا للتعامل مع التهديدات السيبرانية المدعومة من دول.
اختراق هواتف كبار المسؤولين في داونينج ستريت
كشفت صحيفة التلجراف أن الصين اخترقت الهواتف المحمولة لكبار المسؤولين في مقر رئاسة الوزراء البريطانية (داونينج ستريت) لعدة سنوات، في عملية تجسس يُعتقد أنها عرّضت اتصالات حساسة لخطر التسريب.
وبحسب المعلومات المتاحة، فإن الاختراق أدى إلى تعريض اتصالات خاصة وحكومية لكبار المسؤولين للاطلاع من جانب جهات في بكين، ما يثير مخاوف من وصول الصين إلى معلومات سياسية وأمنية بالغة الحساسية.
استهداف مقربين من جونسون وتروس وسوناك
وأفادت التقارير بأن قراصنة مدعومين من الدولة الصينية استهدفوا هواتف بعض أقرب مساعدي رؤساء الوزراء البريطانيين السابقين بوريس جونسون، وليز تروس، وريشي سوناك، خلال الفترة من عام 2021 وحتى 2024.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الاختراق قد شمل الهواتف الشخصية لرؤساء الوزراء أنفسهم، إلا أن أحد المصادر المطلعة أكد أن الاختراق وصل “مباشرة إلى قلب داونينج ستريت”، في إشارة إلى حساسية المواقع التي تم اختراقها.
عملية «إعصار الملح» التجسسية
أشارت مصادر استخباراتية أمريكية إلى أن عملية التجسس الصينية المعروفة باسم “إعصار الملح” (Salt Typhoon) لا تزال مستمرة، ما يثير احتمال تعرض السير كير ستارمر وكبار موظفيه الحاليين للتجسس أيضا.
وكان جهاز الأمن الداخلي البريطاني (MI5) قد أصدر في نوفمبر/تشرين الثاني تحذيرا للبرلمان بشأن خطر التجسس من جانب الدولة الصينية، في إطار تصاعد المخاوف من النشاط السيبراني المدعوم من بكين.
ويستعد السير كير ستارمر للتوجه إلى الصين هذا الأسبوع، في أول زيارة لرئيس وزراء بريطاني منذ زيارة تيريزا ماي في عام 2018، بهدف تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية مع بكين.
وتأتي هذه الزيارة في أعقاب موافقة الحكومة البريطانية على خطط إنشاء سفارة صينية ضخمة في لندن، كشفت صحيفة “التلجراف” أنها ستُقام بجوار بعض كابلات الاتصالات الأكثر حساسية في المدينة، ما أثار انتقادات وتحذيرات أمنية.
اتهامات بتعريض الأمن القومي للخطر
اتهم نقاد حزب العمال الحكومة باتباع نهج متساهل تجاه النشاط الصيني العدائي، على أمل تأمين صفقات تجارية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، معتبرين أن ذلك قد يُعرض الأمن القومي البريطاني للخطر.
وقالت أليسيا كيرنز، وزيرة الأمن القومي في حكومة الظل، إن الحكومة “تتجاهل الأدلة المتزايدة” على التهديدات الصينية، مضيفة: “كم من الأدلة تحتاج هذه الحكومة قبل أن تتوقف عن التملق لشي جين بينج وتقف شامخة كدولة عظيمة وتدافع عن نفسها؟ حزب العمال يكافئ الأعمال الهجومية ضد دولتنا”.
مخاوف من التنصت والوصول إلى البيانات الوصفية
يثير الهجوم احتمال أن يكون الجواسيس الصينيون قد تمكنوا من قراءة الرسائل النصية أو الاستماع إلى المكالمات التي شملت كبار المسؤولين في الحكومة.
وحتى في حال عدم التنصت المباشر، قد يكون المتسللون حصلوا على ما يُعرف بالبيانات الوصفية (Metadata)، التي تكشف هوية الأشخاص الذين تم التواصل معهم، وعدد مرات الاتصال، إضافة إلى بيانات الموقع الجغرافي التقريبية، ما يمنح صورة دقيقة عن تحركات واتصالات المسؤولين.
اختراق عالمي شمل دول «العيون الخمس»
أكدت التقارير أن اختراق داونينج ستريت كان جزءًا من حملة تجسس عالمية نفذتها بكين، استهدفت عدة دول، من بينها الولايات المتحدة وأعضاء تحالف الاستخبارات المعروف باسم “العيون الخمس”، وهي: أستراليا، وكندا، ونيوزيلندا، إلى جانب بريطانيا.
وتعود هذه الاختراقات إلى عام 2021 على الأقل، إلا أن وكالات الاستخبارات لم تكتشفها إلا في عام 2024.
وكُشف عن هذه المعلومات بعدما أعلنت الولايات المتحدة أن مجموعات قرصنة مرتبطة ببكين نجحت في اختراق شركات اتصالات حول العالم، ما أتاح للصين الوصول إلى بيانات هواتف ملايين الأشخاص.
ووفّر ذلك لضباط الاستخبارات القدرة على التنصت على المكالمات، وقراءة الرسائل النصية، وربما تتبع مواقع المستخدمين.
وقالت آن نيوبيرجر، نائبة مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك، إن المتسللين كانت لديهم القدرة على “تسجيل المكالمات الهاتفية حسب الرغبة”، في مؤشر على مستوى متقدم من السيطرة على أنظمة الاتصالات المخترقة.
نفي صيني وتحفظ بريطاني
كانت وزارة الخارجية الصينية قد نفت هذه الادعاءات، ووصفتها بأنها “لا أساس لها من الصحة” و”تفتقر إلى الأدلة”.
وفي المقابل، لا يزال من غير الواضح على وجه الدقة نوعية المعلومات التي حصل عليها المتسللون من هواتف موظفي داونينج ستريت.
وأشارت مصادر استخباراتية ــ بحسب التلجراف ــ إلى أن شبكات الاتصالات البريطانية كانت محمية بشكل أفضل مقارنة بالولايات المتحدة، مستشهدة بقانون أمن الاتصالات لعام 2021، الذي فرض التزامات قانونية جديدة على شركات الاتصالات لتعزيز أمن الشبكات.
ورغم ذلك، قال مسؤول أمريكي رفيع المستوى لصحيفة التلجراف إن الاختراق العالمي يُعد “إحدى أنجح حملات التجسس في التاريخ”.
تحذيرات FBI وتحالف استخباراتي دولي
حذر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في تنبيه عام من أن “جهات تهديد سيبراني مدعومة من الدولة الصينية” تستهدف شبكات الاتصالات والبنية التحتية الحكومية والعسكرية عالميًا.
وأكد التحذير أن البيانات المسروقة قد تُمكن الاستخبارات الصينية من تتبع اتصالات وتحركات أهدافها حول العالم، مع الحفاظ على “وصول طويل الأمد” إلى الشبكات.
ووقّعت على هذا التحذير وكالات استخبارات من عدة دول، بينها المركز الوطني للأمن السيبراني في المملكة المتحدة، التابع لمركز الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ).
اعتراف بريطاني محدود مقابل صراحة أمريكية
اقتصر التأكيد الرسمي البريطاني على الإشارة إلى “مجموعة من الأنشطة” داخل المملكة المتحدة، دون تفاصيل.
وعلى النقيض، كان المسؤولون الأمريكيون أكثر صراحة، معترفين بأن قراصنة صينيين استهدفوا شخصيات بارزة مثل دونالد ترامب وجي دي فانس وكامالا هاريس قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024.
وأفادت التلجراف بوقوع “العديد” من الهجمات المختلفة على هواتف موظفي داونينج ستريت والحكومة البريطانية بشكل أوسع، خاصة خلال فترة تولي ريشي سوناك رئاسة الوزراء بين عامي 2022 و2024.
وقال بيتر كايل، وزير التكنولوجيا السابق، إنه أدرك بعد توليه منصبه حجم التحدي السيبراني الذي تواجهه بريطانيا، مضيفا أنه لم يكن على دراية كاملة به قبل ذلك.
خبراء: الصين تستهدف قلب شبكات الاتصالات
قال داكوتا كاري، من شركة SentinelOne ومركز الصين العالمي التابع للمجلس الأطلسي، إن عملية “إعصار الملح” ركزت على شركات الاتصالات والبنية التحتية، بهدف التقاط الاتصالات بين الأفراد.
وأضاف أن الصين مهتمة بالحصول على معلومات استخباراتية سياسية عن أعضاء البرلمان وعملية صنع القرار في السياسة البريطانية.
وقال يوفال وولمان، الرئيس السابق لجهاز المخابرات الإسرائيلي والرئيس الحالي لمنصة CyberProof، إن “سولت تايفون” يُعد من أبرز الأسماء في مجال التجسس الإلكتروني.
وأوضح أن عمليات الحملة امتدت إلى أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، واستهدفت شركات اتصالات وكيانات حكومية وشركات تكنولوجيا، مع اختراقات مؤكدة في البنية التحتية الحيوية في المملكة المتحدة خلال عامي 2023 و2024.
انتقادات برلمانية لغياب استراتيجية تجاه الصين ورد السفارة الصينية
في الشهر الماضي، خلصت لجنة الاستخبارات والأمن البرلمانية إلى أن الحكومة البريطانية “لا تمتلك استراتيجية واضحة تجاه الصين”، وأنها تفشل في تطبيق نهج شامل على مستوى الدولة في مواجهة التهديد.
وامتنعت الحكومة البريطانية عن التعليق على هذه التقارير.
وقال متحدث باسم السفارة الصينية إن الصين “مدافع قوي عن الأمن السيبراني”، وتُعد من أكبر ضحايا الهجمات الإلكترونية.
وأضاف: “نحن نعارض بشدة تسييس قضايا الأمن السيبراني أو توجيه اتهامات دون دليل، ولم نشجع أو ندعم أو نتغاضى عن الهجمات الإلكترونية أبدًا”.



