
مع الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، لمدة 15 يومًا، تتسارع التحليلات لما وراء الحدث، خاصة وأن التوصل لحل شبه دائم سيستغرق وقتا أطول وسط حالة من انعدام الثقة بين الأطراف.
ورغم ذلك بدأت حملة التضليل بإدعاء كلا من الأطراف الثلاثة النصر، في الأسابيع الخمسة من الصراع، ولكن بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن الحقائق لا تبدو في صالحه، وفق تقريرٍ كتبه رئيس تحرير مجلة فورين بوليسي، رافي أجراوال، مفسرا أخطاء الجانب الأمريكي في الحرب على إيران.
وقال أجراوال إنه بعد اغتيال المرشد علي خامنئي البالغ 86 عامًا، استبدل على الفور بقائد يصغره في السن بنحو 30 عامًا “مجتبي خامنئى”، ما جدد دماء الجمهورية الإسلامية، بقائد أكثر جرأةً وانتقاماً وتشدداً. كما أن طهران لا تزال قادرة على إطلاق طائرات مسيرة هجومية في جميع أنحاء المنطقة، كما تعمل سريعا على إعادة بناء قدرتها على إطلاق الصواريخ الباليستية.
وأوضح أن الخبراء تنبأوا بدقة بما سيحدث لو أمر البيت الأبيض بشن هجوم على إيران، لكن ترامب طرد المتخصصين الداخليين وأحاط نفسه بأشخاص لا يُعارضونه، سيما وأن استمرار وقف إطلاق النار الآن يكمن في مدي استماع ترامب للخبراء بدلًا من حدسه.
◄ الثقة بالقادة
يشير الكاتب، إلى أن للرئيس الأمريكى تاريخ طويل في الاستماع إلى قادة آخرين بدلا من سماعه لجهاز استخباراته، معللاً ذلك أن الغرباء يقولون له ما يريد سماعه. ذاكرًا، أن في ولاية ترامب الأولى يوليو 2018، وبعد ساعتين من المحادثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ظهر ترامب لوسائل الإعلام ردًا على أسئلة بمحاولات موسكو التدخل في الانتخابات الرئاسية 2016: “يقول الرئيس بوتين إنها ليست روسيا.. لا أرى أي سبب يدعو إلى ذلك”.
وأضاف أن أداء ترامب الصادم في ذلك اليوم قد تكرر قبيل الحرب مع إيران، عندما زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو البيت الأبيض في فبراير الماضي، وكيف قدّم نتنياهو لترامب تقييمًا ورديًا من أربعة أجزاء لهجوم محتمل على إيران تضمنت:
– اغتيال المرشد الأعلى.
– شن غارات جوية تشل قدرة إيران علي إطلاق الصواريخ.
– بعدها تهيئة الظروف لاندلاع انتفاضة شعبية
– ثم رابعًا، تولى زعيمٌ علماني زمام الأمور في البلاد، ومن خلاله يُجري تغييرًا في النظام.
ووفقًا لصحيفة التايمز، وصف عدد من أعضاء إدارته، منهم مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف أن سيناريو تغيير النظام بأنه “مهزلة”، كما قال الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، لترامب إن الإسرائيليين متفائلون أكثر من اللازم. وأضاف: “سيدي، هذا، بحسب خبرتي، إجراءٌ روتينيٌّ للإسرائيليين”. “إنهم يبالغون في وعودهم، وخططهم ليست دائمًا مدروسة جيدًا.”
وبحسب المجلة، يبدو أن ترامب أدرك أن الجزأين الثالث والرابع من خطة نتنياهو غير قابلين للتطبيق، لكنه ظل متمسكًا بالجزأين الأولين. مع ذلك، حتى الجزء الثاني – الغارات الجوية على منشآت الصواريخ – فشل إلى حد كبير. فبعد أكثر من 30 دقيقة من إعلان وقف إطلاق النار، شوهدت ذخائر عنقودية إيرانية تنفجر فوق تل أبيب.
وبينما تمحورت المبررات الأولية للحرب حول أمن إسرائيل، سرعان ما تحول الصراع إلى صراع طاقة بعد أن أغلقت إيران مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس النفط الخام والغاز الطبيعي في العالم يوميًا.
لذلك، لم يتفاجأ الخبراء، ففي جلسة استماع استخباراتية بمجلس الشيوخ الشهر الماضي، والتي أشارت فيه مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي جابارد إلى أنه “لطالما كان تقييم مجتمع الاستخبارات، أن إيران ستستخدم مضيق هرمز كورقة ضغط” في حال وقوع هجوم
الأمر الذي أعاد للأذهان تساؤل ترامب علنًا: “من كان يعلم أن هذا سيحدث؟”.. لم يعتقد أحد أنهم سيضربون” دول الخليج، مرة أخرى، باستثناء هؤلاء الخبراء المزعجين، أخبرني العديد من صناع السياسات السابقين أن المناورات الحربية كشفت بشكل روتيني أن إيران سترد على الأرجح على الغارات الجوية باستهداف كبار مصدري الطاقة مثل قطر والسعودية والإمارات”.
كما أن الجمهورية الإسلامية صممت كنظام لا ينهار في حال وفاة زعيمها الأعلى، وهي حقيقة يعرفها جيدًا مراقبو الشأن الإيراني.
◄ الدائرة المغلقة وإقصاء الخبرات
وفي سياق، الولاء والالتزام السياسي، تشير صحيفة التايمز أن مسؤولو ترامب الذين كانوا يُشكلون فريقه للأمن القومي أولوا أهمية قصوى للولاء، وطبقوا خلالها عدد من المعايير الصارمة:
– الاستغناء عن أي شخص لديه أدنى تاريخ في انتقاد ترامب أو سياساته، حتى لو كان يمتلك خبرة هائلة تؤهله للمناصب التي سيشغلها وهو ما شجع مظاهر التملق العلنية.
– فصل أكثر من 1300 موظف في وزارة الخارجية.
– تقليص صلاحيات مجلس الأمن القومي بشكل كبير.
وبعد أشهر قليلة من بداية ولاية ترامب الثانية، شنت لورا لومر، ذات النفوذ الواسع في البيت الأبيض، حملات لإقصاء كبار صانعي السياسات، بمن فيهم نيت سوانسون، الدبلوماسي المخضرم الذي أصبح حلقة الوصل بين ترامب وإيران، والذي تنبأ بدقة خطر الوقوع في مستنقع إيراني.
ووفقا للكاتب فورين بوليسي، لجأ ترامب بشكل متزايد للمقربين من أصدقائه وعائلته – حيث قاد ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر محادثات مع إيران في وقت سابق من هذا العام – بدلاً من الدبلوماسيين المحترفين.
وهو تحليل أيده حوار سابق لجو كينت مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب المستقيل، مع المذيع تاكر كارلسون ، كيف أن ترامب تؤثر عليه ما يسمي بغرفة المعلومات المغلقة” information echo chamber “.
ووفق كينت، تتضمن هذه المجموعة عدد من الشخصيات اليهودية المؤثرة، تقوم بطرح أكثر من سردية بعيدا عن استقصاءات الاستخبارات المركزية والتي قد تأخذ أسابيع للتأكد من صحة السردية، وبالأخير تتجه كل الأنظار حول سردية واحدة تخدم إسرائيل وفق كينت.
◄ فخ الحظ الجيد
يقول أجراوال، أن حرب ال 12 يوما على إيران غير القانونية، رغم أنها أظهرت قوة الجيش الأمريكي، إلا أن تقييم الاستخبارات المركزية أوضح أنه لم يتم القضاء علي البرنامج النووي، وهو ما قوبل بالرفض القاطع من البيت الأبيض بالاضافة إلى عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، كان من الممكن أن تسوء فيها الأمور ، إلا أن ترامب كان له حظ جيد، وهو ما رجح شعوره بأنه معصوم من الخطأ، عند سؤاله عن عملية فنزويلا ومخالفتها للقانون قائلًا :”لست بحاجة إلى القانون الدولي”. وعندما سُئل بإلحاح عما إذا كانت هناك أي حدود لسلطاته العالمية، أجاب قائلاً: “أخلاقي. عقلي. هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني”.



